
ليس جديدًا أن تتحول بعض المنابر الإعلامية الفرنسية، كلما تعلق الأمر بالمغرب، من صحافة يفترض فيها التحري والدقة إلى منابر إسقاط أيديولوجي وأدوات تصفية حسابات سياسية. الجديد – والخطير – هو أن يحدث ذلك عبر اختلاق وقائع لم تحدث أصلاً، وتقديمها للرأي العام الدولي كحقائق ميدانية، كما فعلت الأسبوعية الفرنسية Le Point حين زعمت، دون سند أو دليل، تعرض محلات يملكها مهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء لهجمات وحرائق “عنصرية” بالمغرب، على هامش نهائي كأس إفريقيا للأمم.
بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني جاء حاسمًا، قاطعًا، ودون مواربة: لا اعتداءات، لا حرائق إجرامية، لا وقائع من هذا النوع، لا قبل النهائي ولا بعده. بل أكثر من ذلك، أكدت المصالح الأمنية أنها كانت في حالة يقظة ميدانية ورقمية دائمة، وتولت تفنيد الأخبار الزائفة التي جرى ترويجها على بعض المنصات، في إطار محاولات مكشوفة لخلق صورة نمطية سوداء عن المجتمع المغربي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس أمنيًا، بل إعلامي وأخلاقي:
كيف لصحيفة بحجم Le Point، تدّعي المهنية والاستقلالية، أن تنشر اتهامات بهذا الثقل دون الرجوع إلى المصدر الرسمي المختص؟
وكيف تُبنى رواية “عنصرية” كاملة دون واقعة واحدة مثبتة، ودون بلاغ شرطة، ودون شكاية، ودون صورة أو محضر؟
الجواب، للأسف، لم يعد خافيًا. نحن أمام نمط متكرر داخل جزء من الإعلام الفرنسي، نمط يرى في المغرب دولة “يجب تأديبها سرديًا”، كلما خرجت عن القالب الذي يراد لها. من قضية الصحراء المغربية، إلى الشراكات الإفريقية، إلى استقلال القرار الأمني والسيادي، وصولًا إلى تنظيم تظاهرات قارية ناجحة دون وصاية فرنسية… هنا يتحول الخبر إلى أداة، والتحقيق إلى ذريعة، والافتراض إلى “حقيقة صحفية”.
الأخطر في مقال Le Point ليس فقط ما قاله، بل ما حاول الإيحاء به:
أن المغرب بلد هش اجتماعيًا، قابل للانفجار العرقي، وأن نجاحه التنظيمي يخفي توترات عنصرية مكتومة. وهي سردية قديمة-جديدة، تتغذى من نفس الينابيع التي غذّت سابقًا مقالات وافتتاحيات في صحف فرنسية أخرى، لا تخفي انزعاجها من مغرب لا يدور في الفلك الفرنسي، ولا يستأذن في خياراته السيادية.
وإذا كانت الصحافة تُحاسَب على أخطائها، فإن ما حدث هنا ليس خطأً مهنيًا بسيطًا، بل تجاوز لحدود المعلومة إلى التشهير الممنهج. فحين تُقدَّم دولة بكاملها على أنها مسرح لاعتداءات وهمية، فإن الضرر لا يكون إعلاميًا فقط، بل سياسيًا، اقتصاديًا، وأخلاقيًا.
المفارقة أن المغرب، الذي استُهدف بهذه المزاعم، هو نفسه البلد الذي راكم تجربة معترفًا بها دوليًا في تدبير ملف الهجرة، وفي إدماج مواطني إفريقيا جنوب الصحراء قانونيًا واجتماعيًا، بشهادات منظمات أممية وأوروبية، لا مقالات رأي متسرعة.
إن ما قامت به Le Point، ومن يصفق لها في بعض الأوساط الإعلامية الفرنسية، لا يعكس قوة الصحافة، بل أزمتها: أزمة فقدان البوصلة، وأزمة الخلط بين الخبر والموقف، وأزمة العجز عن تقبل واقع مغرب تغيّر، ولم يعد ذلك “المجال الحيوي” الذي يُكتب عنه من برج باريسي عالٍ دون مساءلة.
المغرب ليس في موقع الدفاع، لكنه – كما فعل عبر مؤسساته الرسمية – لن يقبل أن تُختلق عنه وقائع، أو تُشوَّه صورته، أو يُستهدف مجتمعه بثقافة الإيحاء والتلفيق. والرهان اليوم ليس فقط على الرد، بل على فضح هذا النمط من “الصحافة العدائية” التي ترفع شعار الحرية، وتمارس الانتقاء، وتدّعي القيم، وتخون أبسط قواعد المهنة.
فحين تغيب الحقيقة… تسقط الأقنعة.



