الصيام كما يعلم الجميع هو فعل مادي حيث يمتنع الإنسان عن الأكل و الشرب و الجماع وغيرها من المفطرات و عن سابق تجربة نعرف ماهي فوائده الصحية و النفسية علينا لقوله تعالى في سورة البقرة الاية [183-184]: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۖ﴾.
فعندما يمتنع الجسد عن الطعام، لا يدخل في حالة نقص، بل في عملية تنظيف عميقة. تبدأ الخلايا بعملية الالتهام الذاتي، حيث تزيل بقاياها القديمة وتجدد نفسها كأنها تولد من جديد. فهو ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو طقس كوني يعيد خلقك من الداخل ، فيولد جسد جديد، ويُمحى إرث قديم من خلاياك. فيعيد ترتيب العلاقة بين الروح والجسد، و عندما تصمت الغرائز يصبح للنوايا صوت ، تتفتح الحواس الداخلية، ويتسع المجال لتلقي الوحي والإلهام.
ففي الصيام ، تختبر مشاعر التعلق ليس فقط بالطعام، بل بكل ما نعتقد أننا لا نستطيع العيش بدونه ويصبح تمرين على الثقة في الوفرة الإلهية.
فكل فترة صيام تضبط العصب الحائر، فتهدأ استجابات التوتر ويتوازن الجهاز العصبي ، ينخفض الأدرينالين، ويعلو السيروتونين (هرمون الصفاء الداخلي).فعندما يخلي الجسد معدته، يصبح وعاءً أنقى للطاقة النورانية.، تنخفض الذبذبات الكثيفة، وتفتح قنوات الوعي العليا ، أما في لحظة الإفطار، لا تبتلع الطعام فقط، بل تتذوق الوجود من جديد . كل لقمة تصبح صلاة، وكل شربة ماء شهادة على أنك تخلصت من نفسك القديمة .
أما الصوم فذكره الله كفعل معنوي حيث يقوم فيه الإنسان بالامتناع عن الكلام ، فمريم العذراء أمرت به لقوله تعالى في سورة مريم، الآية 26 : ﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أَكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾ لماذا أمر الله تعالى مريم بأن تصوم عن الكلام؟
في ذلك الوقت كان الناس يعتقدون أن مريم قد ارتكبت خطأً لا يغفر فالصوم كان من أجل أن لا تتعرض للكلام السيئ أو المشاحنات السلبية التي ستدمر نفسيتها خاصة في حالة النفاس ، عند امتثال مريم لكلام ربها تلقت المعجزة مباشرة لوقايتها من الشر والاذى الذي كان سيلحق بها ، فتكلم عيسى عليه السلام في المهد، وأخبر الناس بأن مريم لم ترتكب خطأً وأنه نبي الله ، لقوله تعالى في سورة مريم الآية [30-33]: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾.
وفي قصة أخرى عن الصوم ، أمر الله تعالى زكريا عليه السلام بأن يصوم عن الكلام لمدة ثلاثة أيام، فكانت معجزته عليه السلام هي ولادة يحيى عليه السلام، حيث كانت زوجته عاقرًا، وكان قد بلغ من الكبر عتيًا. لقوله تعالى في سورة آل عمران (41): ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}. و قال في الاية 40 أيضا : ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ .
إذاً فالصوم عن الكلام (الصمت) هو فعل روحاني قوي يمكن أن يساعد على تطهير النفس والارتقاء بها. فعندما نتحدث، نطلق طاقة مع كل كلمة، وهذه الطاقة يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية. لذلك، من المهم مراقبة كلامنا وتجنب الكلمات السلبية التي يمكن أن تلوث هالتنا المحيطة.
وأهميته على الإنسان كبيرة جدا و تتجلى في :
- تطهير الطاقة : كل كلمة مشحونة بنيتك، والكلمات السلبية تلوث هالتك المحيطة.
- الوعي باللسان: راقب كلامك وتجنب التذمر والتنمر لتفادي جرح القلوب وعودة الطاقة السلبية إليك.
- تجنب الأحكام : السالك لطريق النور يرى الآخرين بوعي وحب، متجاوزًا السخرية منهم حتى وإن أخطأوا، معتبرًا إياهم كأطفال لم ينضجوا.
- السلام الداخلي : لتحقيق الهدوء، راقب العالم الخارجي كالمشاهد للتلفاز، دون التماهي أو التفاعل العاطفي مع أحداثه.
بالنسبة لفوائده فهي متمثلة في :
- تهذيب النفس : الصمت يمنحك الفرصة لتهذيب النفس وتجنب الكلام غير الضروري أو المحرم.
- طمأنينة القلب : الصمت يؤدي إلى طمأنينة القلب والهدوء الداخلي.
- زيادة الوعي : الصمت يساعد على زيادة الوعي بالذات والعالم المحيط.
فكيف يمكن ان نمارس صوم الكلام ؟
- ابدأ بفترات قصيرة : ابدأ بفترات قصيرة من الصمت، مثل 10-15 دقيقة يوميًا.
- راقب كلامك : راقب كلامك وتجنب الكلمات السلبية.
- تجنب التفاعل العاطفي : تجنب التفاعل العاطفي مع الأحداث الخارجية.
- ابحث عن الهدوء : ابحث عن الهدوء والسلام الداخلي في كل لحظة.
في النهاية الصيام و الصوم وجهان لعملة واحدة تساهم في تحسين وضع كل إنسان ، الجسدي و المعنوي و ارتقاء روحه ، تهذيب نفسه و العلو بها من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس الراضية المرضية ، جعل الله صيامنا و صومنا هذا العام مقبولا و مباركا و بلغنا رمضان بإذنه تعالى لا فاقدين و لا مفقودين .
خولة لقزاب


