نساء رائدات من المغرب “سعيدة عباد”
محمد الصغير
سيدة مغربية من مواليد سنة 1965 بمدينة الدار البيضاء، متزوجة وأم لولد وبنت، جسدت بحق اقتحام النساء لعالم الرجال، إذ دخلت عالم السكك الحديدية من بابه الواسع واشتغلت سائقة للقطار سنة 1999، بعد اجتيازها لكل الاختبارات بنجاح، وهي بذلك تعتبر أول سائقة قطار في المغرب والوطن العربي، وافريقيا.

تقول سعيدة إنها قبل التحاقها بمصلحة سياقة القطارات كانت موظفة بقطاع السكك الحديدية في القسم التقني، وهذا ما جعلها تتابع عن كثب عملية سياقة القطارات مع أنها لم تكن تفكر في الأمر بحيث لم تكن تتصور أن تبحث إدارة السكك الحديدية عن طاقات نسوية لسياقة القطارات. فلما علمت بنبإ حاجة إدارة السكك الحديدية لسيدات لسياقة القطار لم تتردد في اقتناص هذه الفرصة التي من شأنها أن تعوضها عن الحياة الدراسية، وحتى تبرهن لنفسها ولذاتها قبل أن تبرهن للعالم الخارجي أنها تتوفر على قدرات تمكنها من تحقيق الكثير، ولقد أبدت استعدادها وموافقتها للفكرة وتقدمت معها ثلاث سيدات، وهن كذلك موظفات بالسكك الحديدية إلا أنها توفقت وحدها في اجتياز جل الامتحانات والإجراءات التي اتخذتها إدارة السكك الحديدية، وأجرت بعد ذلك تأهيلا لمدة سنة معظمها في الجانب التطبيقي التخصصي على يد مؤطرين مغاربة أكْفاء بمركز تكوين السككين بالدار البيضاء، سنة 1997 وبعد انصرام سنتين من التكوين، تخرجت بنجاح سنة 1999. كان شعورها بمسؤولية كبرى وهي تقود القطار لأول مرة بالركاب، حيث استشعرت أهمية وخطورة الأمر؛ لأن الأرواح الآدمية أصعب ما يؤتمن عليه المرء فهي أكثر أهمية من المال مثلا، إلا أنني أحمد الله -عز وجل- الذي بعث في نفسي الطمأنينة والارتياح، تؤكد سعيدة، وهو ما مكنني من القيام بعملي على أحسن وجه منذ الرحلة الأولى التي قمت بها. وهذا ما جعلني منتشية بتمكني، وتحكمي في قيادة القطار،
من طرف فتاة في مقتبل العمر، فالرجال لم يأخذو الموضوع بجدية واستبعدوا إمكانية تحمل المرأة مسؤولية سياقة القطار باعتبار أن هذه المهنة لم يزاولها سوى الرجال في العالم؛ لكونها متعبة، وتتطلب قدرات خاصة، إلا أنهم بعد ذلك تراجعوا عن أفكارهم وعن مواقفهم المتعصبة أثناء فترة التأهيل لما لمسوه من استعداد وجدية وتأهب مني، تؤكد السيدة سعيدة في حوار معها.

من أجمل وأسعد اللحظات
“أنت من قدت القطار بأبي إلى مراكش ذلك اليوم”، هكذا استحضرجلالة الملك محمد السادس وجه سعيدة، كما حكت لي وهي جد سعيدة لحظة لقائها الملك في إحدى المناسبات، التي كانت تدشين محطة الدار البيضاء الميناء سنة 2002
تحكي عن هذه اللحظة باعتزاز كبير، وتتذكر أيضا اختلاط مشاعرها أمام كلمات الملك المساندة لها.
سعيدة كانت قد صنعت الاستثناء حينما صارت أول امرأة مغربية، مغاربية وعربية، تسوق قطارات قاد أحدها الملك المرحوم الحسن الثاني رحمه الله في رحلة في أحد أيام شهر مارس من سنة 1999.
تحدثت سعيدة بفخر واعتزاز عن دعم ومساندة والدها الذي كان يحظى باحترام كبير في صفوف الشغيلة السككية، والذي كان حافزا وعاملا رئيسيا لتشرع سعيدة في كتابة قصة مختلفة، كما أنه كان سائق قطار، هو الوحيد، حسب سعيدة عباد، الذي رأى أن فتاته الصغيرة يجب أن تتسلم المقود وتواصل الرحلة بدلا عنه.
واستطاعت هذه السيدة الرائدة في عالم السكك الحديدية طيلة 15 سنة من الجلوس خلف مقود القطار المتوجه إلى هناك أو القادم إلى هنا، وفي جل محطات القطار على امتداد خارطة السكك الحديدية بربوع المملكة المغربية.

لحظات صعبة
“في بداية مشواري خلف مقود القطار، أي قبل 15 سنة وبالضبط سنة 1999، لم يستسغ الرجال كوني امرأة تسوق القطار، أما في حالة وقوع عطب تقني وتوقف القطار فيصل الأمر إلى حد احتجاج الركاب.. فقط لأنني امرأة”، لكن إصرارها وركوبها التحدي استطاعت أن تفرض نفسها سائقة قطار محترفة، وتحظى باحترام زملائها السائقين الرجال، والمسافرات والمسافرين الذين كانوا يسافرون معها، وتطمئن وتشعر بسعادة عند نهاية كل رحلة، وكانت تتلقى دعوات الخير من النساء على وجه الخصوص كلما وصل القطار بسلام. تقول سعيدة عباد.
أما عن الدرس الأساسي الذي استخلصته الرائدة سعيدة عباد، والذي تنصح به شابات اليوم ” إن من يضع هدفا نصب عينيه لا بد أن يصل إليه بالجد والعمل والمثابرة”
لأن المرأة المغربية اقتحمت جميع الميادين في البر والبحر والجو، وبفعل الظروف الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، التي تغيرت، وكما يبدو أن الظروف الصعبة وأيضا العقليات قد تغيرت، وساهمت في ولوج المرأة المغربية لميادين عمل مختلفة تماما عما عهدناه في السابق.



